بقلم محتات الرقاص –
الانتخابات التي خاضها الأطباء المغاربة من أجل اختيار أعضاء المجلس الوطني والمجالس الجهوية لهيئتهم المهنية لم تخل من دلالات، لعل أولها وأكثرها أهمية هي أنها جرت لأول مرة ضمن مقتضيات قانون جديد، وتتميز بانتخاب الطبيبات والأطباء رئيس هيئتهم لأول مرة بعد أن كان دائما يتم تعيينه.
اقتراع بحجم الحدث إذن، وهو يؤسس لبداية زمن جديد يقوم على ركيزتي الحرية والديمقراطية، وعلى امتلاك سلطة تدبير المهنة من لدن المهنيين أنفسهم، بدل… التعيين !!!!!
وبقدر ما يفتح هذا التحول التاريخي أفقا جديدا للطبيبات والأطباء لتحمل مسؤولية شؤون مهنتهم، فإنه أيضا يطرح عليهم تحديات النجاح في ذلك، وضرورة إبراز الكثير من الاستعداد «النضالي» لربح الرهان، والتأكيد على استحقاق اللحظة ومسؤولياتها.
خلال الاقتراع الأخير سجل الجميع الإقبال القياسي للطبيبات والأطباء على المشاركة في التصويت، كما أن الترشيحات والحملة الانتخابية لم تخلُ من حرارة ودينامية، وكل هذا كان إيجابيا، وكشف عن وعي متنامٍ وسط الجسم المهني الطبي بضرورة استثمار هذا العهد الجديد، والحرص على تطوير مكتسباته، والتقدم بها إلى الأمام من أجل تفعيل هيئات مهنية ديمقراطية حقيقية.
وفي المقابل، أثار الكثيرون الضعف الواضح على مستوى التنظيم العام للعملية الانتخابية، وبروز اختلالات وتجليات قصور على مستوى الإعداد اللوجيستيكي والتدبيري للتصويت وباقي مراحل الاقتراع، وكل هذا غذى تخوفات وسط المهنيين بخصوص سلامة العملية الانتخابية برمتها.
نتمنى فعلا أن تنجح مختلف مكونات الجسم المهني الطبي في تجاوز استعصاءات هذه اللحظة التاريخية، وأن تتوحد جهود الكل من أجل إنجاح العملية الانتخابية، وبالتالي ربح رهان المرحلة، وتمكين المهنة لأول مرة من هياكل يتم اختيارها بالتصويت، وجعلها تبدأ عملها معززة بثقة المهنيين ومساندتهم.
الأطباء، كما المهنيون الآخرون في قطاعات يقوم التواجد فيها على مسارات علمية ودراسية، هم يمثلون نخبا حقيقية في المجتمع، أي فئات اجتماعية لها قدرة وإمكانية قيادة تحولات المجتمع وديناميات الناس في باقي مناحي الحياة، ولهذا، بإمكان تمرسهم على الأداء الديمقراطي داخل هيئاتهم المهنية والقطاعية، وتمتين تجاربهم التسييرية والتطوعية أن يحفزهم، كمواطنات ومواطنين، على توسيع هذا الانخراط النضالي ليشمل المجتمع برمته، وشأنه العام، أي المساهمة الفاعلة في الانتخابات الجماعية مثلا، وحتى على مستوى الاستحقاقات التشريعية، وتعزيز صفوف الهيئات السياسية والمنظمات المدنية، تماما كما يفعل أصلا عدد منهم اليوم، وبهذا ستربح حياتنا السياسية والانتخابية فعاليات تمتلك تكوينا دراسيا ومعرفيا، وأيضا مراسا في التنظيم وتدبير شؤون الآخرين، أي الاستعداد لخدمة الشأن العام.
من هنا ينبع الاهتمام العام بضرورة تعزيز الحياة الديمقراطية وسط هيئة مهنية مثل هيئة الأطباء، وأيضا في باقي الهيئات المماثلة (مهندسون، محامون، صيادلة وغيرهم)، وبالتالي تحويلها إلى مشاتل لتخريج كفاءات ذات قدرة على التطوع وخدمة الآخرين، ولها المصداقية الأخلاقية الضرورية لتسيير الشأن العام، علاوة طبعا على تمكينها من حق تدبير شؤون المهنة بكامل الحرية والديمقراطية.
ننتظر إذن الإعلان عن نتائج انتخابات هيئة الأطباء لنعرف مدى نجاح الاقتراع برمته، ونتمنى للمهنيين أن يتفوقوا على كل ما برز من تجليات قصور.